محمد بن علي الشوكاني

5132

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

والحاصل أنا إذا جعلنا تقرير المحترف على حرفته جائزًا لظن أنه ألجئ إليها سددنا باب إنكار المنكر ، وضربنا بيننا وبينه بسور ، وأدى إلى أن يفعل من شاء ما شاء قائلًا : إنه لم يجد له حرفة غير ذلك ، وما أظن إنصافكم يبلغ إلى مثل هذا ، فالله المستعان . وجريان مثل هذا الإلزام في البغايا ( 1 ) أظهر ، لما ثبت بالضرورة من ضعفهن عن مزاولة الأعمال الشاقة ، التي يباشرها الرجال لتحصيل قوام العيش ، فالله يحب الإنصاف وأنتم - أهل هذا البيت - الحاملون لرايته والمقتدي بكم بين أهله وعصابته . وحديث : " إن الله يحب العبد المحترف " ( 2 ) لا يقول أحد من الناس أن الاحتراف يعم الحرفة الحلال والحرام ، وإلا عاد الإلزام . وتأجير النفس من أهل الذمة في الأعمال الجائزة لا نقول بمنعه ، ولا أحد من العلماء ، مع عدم استلزامه لذلة تلحق بالمسلمين . وكذلك حمل الطعام والثياب والإدام والفاكهة إلى مساكنهم ، وأين هذا من ذاك ! ولقد كان خير القرون يتأجرونهم ، ويبايعونهم ، ويؤجرون أنفسهم منهم ، وليس في ذلك خدش في وجه عزة الإسلام ، ولكنهم ما كانوا يلتقطون عذراتهم الذي هو محل النزاع . فإن قلتم : إن ذلك غير واقع عندكم ، فلا أقل من إذنكم لأهل الذمة بالدخول إلى محلكم المحروس ، وما أظنكم تمنعونهم من قضاء الحاجة ما داموا هنالك . فانظروا ، هل يصح إلحاق محل النزاع بمعاملاتهم مع الاختلاف في أمور ؟ أحدها : بمجرده يقدح في صحة القياس ، فإن لاحت لكم الصحة أفدتم ، وهضم النفس بمباشرة الحرف الدنية إن سلم جوازه في الحرف الحلال ، فكيف يجوز التواضع بمباشرة الحرام ! فقبح الله هذا التواضع الذي يفضي إلى ذهاب الدين ، ويثل عرش عزة المؤمنين ؛ فإن الله يحب معالي الأمور ، ويكره سفسافها .

--> ( 1 ) منها ما أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 2282 ) ومسلم رقم ( 39 / 1567 ) من حديث أبي مسعود البدري قال : " نهى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن " . ( 2 ) تقدم تخريجه .